أحمد ياسوف

23

دراسات فنيه في القرآن الكريم

موضعها الطبيعي في الجملة ، دبّت فيها الحياة ، وسرت فيها الحرارة » . يسعى الأديب إلى اختيار أسلوب مزيد لمادته الكلامية ، وذلك حرصا على منحى الإبداع والفرادة ، وعدم الدوران في فلك الآخرين ، وعدم الاتكاء على تعابيرهم ، فيبث إيحاءه الشخصي ، ليجتاز إيحاءات غيره ، وفي هذا يقول بختين : « إن الوعي اللغوي النشيط أدبيا كان يجد في كل زمان ومكان « لغات » وليس لغة ، كان يجد نفسه أمام ضرورة اختيار اللغة » « 1 » . واختيار اللغة هاهنا يبدأ من اختيار المادة ثم الصيغة ، وهذا مبدأ كل من ابن سنان الخفاجي ( - 466 ه ) ، وضياء الدين بن الأثير ( - 637 ه ) في بلاغتنا العربية ، ففي كتابيهما « سر الفصاحة » و « المثل السائر » ، إذ يبدأ الكلام على جمال اللغة بباب طويل السرد والشرح عن جمال المفردة ، يليه باب جمال النظم ، وباب جمال الحروف ، وقد تبعهما رجال البلاغة العربية في هذا الترتيب . ولا بد أن نضيف إلى كلام « بختين » أن المبدع المتمكن يجتاز حياد المعجم ، ويجتاز نشاطات الغير إن وقفوا على مادة نصّه نفسها ، أو خطرت على قلوبهم التجربة الشعورية نفسها ، وهذا لا يعني أن تفقد المفردة حدّ المعقول ، حين يجنح الشاعر إلى موقف هزلي بين المادة والموضوع في قالب من الكلام والغمغمات ، فيصاب أدبه بالإعراب ، لأنه لا يطالب ببديل عن الواقع إن أراد التوصيل بحق ، وما الأدب السريالي أو الوجود التجاوزي إلا لعب بأفكار المجتمع يغلب أن يصدر عن فلسفات مريضة ونوازع شاذة . فالأديب يطالب بتلوين الواقع بعيدا عن الخطل قدر المستطاع ،

--> ( 1 ) الكلمة في الرواية ، ميخائيل يختين ، ص 54 .